كمال الدين دميري
523
حياة الحيوان الكبرى
وفي آخر كتاب مناقب الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه ، للحاكم أبي عبد اللَّه ، بإسناده إلى محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم ، قال : سمعت الشافعي يقول : اختصم رجلان إلى بعض القضاة ، في هرة ادعى كل منهما أنها له ، وأن عنده أولادها ، فحكم القاضي أن توسط بين داريهما ثم ترسل فأي دار دخلت فهي لصاحبها . قال الشافعي : فانجفل الناس ، وانجفلت معهم ، فلم تدخل الهرة دار واحد منهما . قال الشافعي : فبطل قضاؤه . غريبة : ذكر أن مروان الجعدي المنبوز بالحمار ، آخر خلفاء بني أمية ، لما ظهر السفاح بالكوفة ، وبويع له بالخلافة ، وجهز العساكر إليه ، فانهزم منهم ، حتى وصل إلى أبي صير ، وهي قرية عند الفيوم . . قال : ما اسم هذه القرية ؟ قيل : أبو صير . قال : فإلى اللَّه المصير ، ثم دخل الكنيسة التي بها ، فبلغه أن خادما له نم عليه ، فأمر به فقطع رأسه ، وسل لسانه وألقي على الأرض ، فجاءت هرة فأكلته . ثم بعد أيام ، هجم على الكنيسة التي كان نازلا بها عامر بن إسماعيل ، فخرج مروان من باب الكنيسة ، وفي يده سيف ، وقد أحاطت به الجنود ، وخفقت حوله الطبول ، فتمثل ببيت الحجاج بن الحكم السلمي وهو « 1 » : متقلدين صفائحا هندية يتركن من ضربوا كأن لم يولد ثم قاتل حتى قتل ، فأمر عامر برأسه فقطع في ذلك المكان ، وسل لسانه وألقي على الأرض ، فجاءت تلك الهرة بعينها فخطفته فأكلته . فقال عامر : لو لم يكن في الدنيا عجب إلا هذا ، لكان كافيا ، لسان مروان في فم هرة ! وقال في ذلك شاعرهم : قد يسّر اللَّه مصرا عنوة لكم وأهلك الكافر الجبار إذ ظلما فلاك مقولة هرّ يجر جرّه وكان ربّك من ذي الظلم منتقما ودخل عامر بعد قتله الكنيسة ، فقعد على فرش مروان ، وكان مروان ، حين الهجوم على الكنيسة ، يتعشى ، فلما سمع الوجبة ، وثب عن عشائه ، فأكل عامر ذلك الطعام ، ودعا بابنة مروان ، وكانت أسن بناته ، فقالت : يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه ، وأقعدك عليه ، حتى تعشيت بعشائه ، واستصبحت بمصباحه ، ونادمت ابنته ، لقد أبلغ في موعظتك ، وأجمل في إيقاظك . فاستحيا عامر وصرفها وكان قتل مروان في سنة ثلاث وثلاثين ومائة . الحكم : يحرم أكل الهر على الصحيح ، والثاني ، وبه قال الليث بن سعد ، يحل أكله . واختاره أبو الحسن البوشنجي ، وهو من أئمة أصحابنا ، وهو حيوان طاهر لما روى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي ، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم دعي إلى دار قوم فأجاب ، ودعي إلى دار آخرين فلم يجب ، فقيل له في ذلك ، فقال « 2 » : « إن في دار فلان كلبا » . فقيل له : وإن في دار فلان هرة ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين
--> « 1 » البيت في العقد الفريد ونسبته إلى الجحّاف بن حكيم . انظر العقد الفريد 4 / 214 . فالصواب الجحّاف وهو من الفتاك الشعراء في العصر الأموي ، مات سنة 90 ه . « 2 » رواه ابن حنبل : 1 / 80 .